ابن فرحون

40

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

العشاء الأخيرة ، وذلك أنهم كانوا قبل الحريري وصدرا من ولايته يأخذ عبيد الخدام وبعض الفراشين شعلا من سعف ، فيطوفون بها عوض الفوانيس يجرون بها كأشد ما يكون من الجري ، فإن وصلوا باب النساء خرجوا بها ، وخبطوا بما بقي معهم منها ، فكانت تسود المسجد وتسود بابه أيضا ، وفيها من البشاعة ما لا يخفى ، فأمر بالفوانيس عوضا ، وترتبت في صحيفته رحمه اللّه تعالى ، وكان يوالي المجاورين ويحسن إليهم ويقضي حوائجهم . وسيأتي فعله مع المجاورين حين أمر الأمير منصور بإخراجهم وارتحالهم بأولادهم وعيالهم ، ومناقبه كثيرة ، وحسناته عديدة . توفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة . ثم خلفه في المشيخة سعد الدين الزاهري « 1 » ، ولم يمكث إلا قليلا نحو سنتين ، وكان قد عمي وكفّ بصره ، فلم يقم بوظيفة المشيخة على ما ينبغي ، فلما حج الملك الناصر « 2 » الحجة الثانية وهي سنة تسع عشرة وسبعمائة وقدم المدينة زائرا ودخل الحرم ، فوجده أعمى ، فعظم ذلك على السلطان فعزله ، ثم ولّى في الحين ظهير الدين مختار « 3 » الأشرفي رحمه اللّه ، وكان له هيبة وصولة مع زمانه بالنسبة إلى من قبله ، فقام بالمشيخة أحسن قيام ، وأدخل الرعب في قلوب الشرفاء والأمراء ، واستخلص من أيديهم أوقافا وأملاكا كانوا هم وآباؤهم فيهما كالمارستان اليوم ، والفرن الذي أمامه ، والحوش الذي بإزائه ، ودار المدرسة الشهابيّة ، ونخيل وغير ذلك . ولأجل هيبته عزّ المجاورون والخدام ، وقويت حرمتهم ، ولم يزل كذلك حتى حج النائب أرغون « 4 » ، وشكوا عليه ما يلقون من الشيخ ، فكأنه تكلم عليه بحضرتهم كلاما غض من صولته ، ورده عن شدته ، ولم يمكث بعد ذلك إلا قليلا حتى توفاه اللّه إلى رحمته .

--> ( 1 ) ترجمته في : « الدرر الكامنة » 1 / 394 ( 1486 ) . ( 2 ) هو الناصر محمد بن قلاوون . ( 3 ) ترجمته في : « الدرر الكامنة » 4 / 345 ( 938 ) . ( 4 ) هو : أرغون الدوادار ، أحد مماليك السلطان منصور ، اشتراه ورباه مع ابنه الناصر محمد . انظر ترجمته في : « الدرر الكامنة » 1 / 351 ( 873 ) .